الشنقيطي

362

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الآية ، إلى غير من الآيات . وقد بين جل وعلا في مواضع أخر : أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى اللّه يجاز به في الدنيا ، ولا حظّ له منه في الآخرة ؛ كقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 16 ) [ هود : 16 ] ، وقوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) [ الشور : 20 ] . وثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم نحو ما جاءت به هذه الآيات : من انتفاع الكافر بعمله في الدنيا من حديث أنس ، قال مسلم بن الحجاج رحمه اللّه في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب - واللفظ لزهير - قالا : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدّنيا ويجز بها الآخرة . وأمّا الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها للّه في الدّنيا ، حتّى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجز بها » . حدّثنا عاصم بن النضر التيمي ، حدّثنا معتمر قال : سمعت أبي ، حدثنا قتادة عن أنس ابن مالك : أنه حدّث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدّنيا . وأمّا المؤمن فإنّ اللّه يدّخر له حسناته في الآخرة ، ويعقبه رزقا في الدّنيا على طاعته » . حدّثنا محمد بن عبد اللّه الرازي ، أخبرنا عبد الوّهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بمثل حديثهما « 1 » . واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا : كبر الوالدين ، وصلة الرحم ، وإكرام الضيف والجار ، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك ، كله مقيد بمشيئة اللّه تعالى ؛ كما نص على ذلك بقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [ الإسراء : 18 ] الآية . فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث . وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق ، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا . وأشار له في « مراقي السعود » بقوله : وحمل مطلق على ذاك وجب * إن فيهما اتحد حكم والسبب قوله تعالى : لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا ( 22 ) [ 22 ] .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم حديث 56 و 57 .